محمد بن وليد الطرطوشي

116

سراج الملوك

وروي أن أعرابيا قام بين يدي سليمان بن عبد الملك « 1 » وقال : يا أمير المؤمنين ، إنّي مكلّمك بكلام فاحتمله إن كرهته ، فإن وراءه ما تحب إن قبلته ، قال : هات يا أعرابي ، قال : سأطلق لساني بما خرست به الألسن ، أداء لحق الله ولحقّ أمانتك ، إنّك قد اكتنفتك رجال « 2 » أساءوا الاختيار لأنفسهم ، وابتاعوا دنياك بدينهم ، ورضاك بسخط ربهم ، خافوك في الله ، ولم يخافوا الله فيك ، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك ، فأعظم الناس غبنا يوم القيامة من باع آخرته بدنيا غيره . فقال له سليمان : أما أنت فقد نصحت ، وأرجو أنّ الله سيعيننا على ما قلّدنا ، وقد جرّدت لسانك فهو سيفك . فقال : أجل يا أمير المؤمنين ، وهو لك لا عليك . وقال ابن أبي عروبة « 3 » حجّ الحجّاج « 4 » فنزل بعض المياه بين مكة والمدينة ، ودعا بالغداء ، وقال لحاجبه : انظر من يتغدّى معي ، واسأله عن بعض الأمر ، فنظر نحو الجبل ، وإذا براع بين شملتين « 5 » نائم ، فضربه برجله ، وقال له : ائت الأمير ، فأتاه ، فقال له الحجاج : اغسل يدك وتغدّ معي . فقال : دعاني من هو خير منك فأجبته . قال : ومن هو ؟ قال : الله تعالى دعاني إلى الصيام فصمت ، قال : في هذا الحر الشديد ؟ قال : نعم ، صمت ليوم هو أشدّ منه حرا . قال : فأفطر وصم غدا . قال : إن ضمنت لي البقاء إلى غد ! قال : ليس ذلك إليّ . قال : فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه ؟ قال : لأنه طيب ، قال : لم تطيّبه أنت ولا الطّبّاخ ، ولكن طيّبته العافية . ولما حجّ هارون الرشيد « 6 » بعث إلى مالك بن أنس « 7 » بكيس فيه خمسمائة دينار ، فلما قضى نسكه وانصرف ودخل المدينة ، بعث إلى مالك بن أنس : أنّ أمير المؤمنين يحب أن تنتقل معه إلى مدينة السلام « 8 » ، فقال

--> ( 1 ) سليمان بن عبد الملك : الخليفة الأموي السابع ، سبقت ترجمته . ( 2 ) اكتنفتك رجال : أي أحاطوا بك . ( 3 ) ابن أبي عروبة : سعيد بن مهران بن أبي عروبة ، الإمام الحافظ عالم أهل البصرة من المحدثين وأول من جمع السنن النبوية ، والقصة موجودة في كتاب [ تاريخ مدينة دمشق 12 / 125 ، والبداية والنهاية 9 / 121 ] ، توفي سنة 156 ه ( الأعلام 3 / 98 ) . ( 4 ) الحجاج بن يوسف الثقفي ، سبقت ترجمته . ( 5 ) الشملة : كساء من صوف أو من شعر ، وفي ( ط ) بين سخلتين . ( 6 ) هارون الرشيد : الخليفة العباسي السابع ، سبقت ترجمته . ( 7 ) مالك بن أنس : إمام دار الهجرة ، سبقت ترجمته . ( 8 ) مدينة السلام : بغداد وقد أسسها المنصور وسماها بذلك .